العلامة المجلسي

66

بحار الأنوار

ومعه عشرون ألف فارس ، وقال : امض بمن معك ، وانزل على الكعبة ، وخذ رجالها ونسائها ولا تقتل منهم أحدا " حتى آتيك ، فإني أريد أن أعذبهم عذابا " شديدا " لم يعذب به أحد من العالمين ، قال : فسار بجيشه سيرا " عنيفا " يقطع الفيافي والقفار ، ويجوز السهل والوعار ، ولم يقروا ولم يهدءوا ( 1 ) حتى نزلوا ببطن مكة ، فلما سمع أهل مكة أنه قد نزل بهم صاحب الفيل جمعوا أموالهم وأهليهم ودوابهم وهموا بالخروج من مكة هاربين من أصحاب الفيل ، فلما نظر إليهم عبد المطلب قال لهم : يا قوم أيجمل منكم ( 2 ) هذا الامر ؟ وإنه لعار عليكم خروجكم عن كعبتكم ، قالوا له : إن الملك أقسم بمعبوده أن لابد له من ذلك أن يهدم الكعبة ، ويرمي أحجارها في البحر ، ويذبح أطفالها ، ويرمل نسائها ، ويقتل رجالها ، فاتركنا نخرج قبل أن يحل بنا الويل ، فقال لهم عبد المطلب : إن الكعبة لا يصلون إليها ، لان لها مانعا " يمنعهم عنها ، وصادا " يصدهم عنها ، فإن أنتم التجأتم إليها واعتصمتم بها فهو خير لكم ، فلم تطمئن القلوب ( 3 ) إلى كلامه ، وغلب عليهم الخوف والجزع ، وخرجوا هاربين يطلبون الشعاب ، ومنهم من طلب الجبال ، ومنهم من ركب البحر ، قال : فعند ذلك قالوا لعبد المطلب : ما يمنعك أن تهرب مع الناس ؟ قال : أستحيي من الله أن أهرب عن بيته وحرمه ، فوالله لا برحت من مكاني ولا نأيت ( 4 ) عن بيت ربي حتى يحكم الله بما يشاء ، قال : ولم يبق يومئذ بمكة إلا عبد المطلب وأقاربه وهم غير آمنين على أنفسهم ، فلما نظر عبد المطلب إلى الكعبة خالية وديارها خاوية قال : ( اللهم أنت أنيس المستوحشين ولا وحشة معك ، فالبيت بيتك ، والحرم حرمك ، والدار دارك ، ونحن جيرانك تمنع عنه ما تشاء ( 5 ) ، ورب الدار أولى بالدار ) قال : وأقام الأسود بن ( 6 )

--> ( 1 ) السهل : الأرض الممتدة المستقيم سطحها . والوعر : ضدها . قوله : ( لم يهدؤا ) أي لم يسكنوا . ( 2 ) أيحمد بكم خ ل . ( 3 ) في المصدر : فلم يطمئن القوم . وأثبته المصنف في الهامش عن نسخة . ( 4 ) في المصدر : ولا باينت . ( 5 ) في المصدر : من تشاء ، وكذا في نسخة على ما أثبته المصنف في الهامش . ( 6 ) في المصدر : الشمر بن المقصود .